بقلم: أحمد يونس - أوكرانيا
ربما ساورني الشك قليلاً قبل أن أجيب سؤال أحدهم عن معشوقتي المقدسة، لكنني أيقنت أنه لا مجال إلا للإجابة، كان نقاشاً شبه حادٍ تلك الليلة، بينما كان كلاً من الجالسين يتناول قصته مع حبيبته الفاتنة، وقد حان دوري فقالوا مجتمعين وأنت يا صاحب الصمت .. شو عاجبك فيها ؟ فبعد أن تغنوا بشرق وغرب .. كنت الفلسطيني الوحيد بينهم، وكأنهم انتظروا مني ذكر غيرها، جرياً على قاعدة التغيير والتبديل والتجديد، تمددوا مشدوهين مني وكلٌ في كأسه المليء بالكوكا كولا، بعد جلسة العشاء الدسمة التي عزمنا على تدشينها منذ شهر، قلت: يا أصدقائي هي لا توصف، هي كما خلقت قبل التاريخ، جميلة جداً وجداً وجداً، قاطعني أحدهم قائلاً: كعادتك القديمة عدت بنا إلى شِعرك وقوافيك. فسكتُّ .. لكنهم أصروا عليّ فأكملت.يعجبني فيها علوها، فهي عالية على ألمها، متعالية على جرحها الذي كلما ضمّد نزف. يعجبني فيها هواؤها الذي ما شممته قط، نسيمها العليل .. وريحها التي تلحف أهلها حباً وكرماً، هواؤها المنصوص عليه في شفاه الزائرين الساجدين، عبيره العذب في أنفاس المحرومين من الصلاة فيها. يعجبني فيها بهاؤها، نعم.. فهي بهية الطلة، عظيمة المرأى، جليلة الصورة. يعجبني فيها اسمها، ويا ليتني أجد أبهى وأجلّ منه، بل يعجبني كتابة حروفه بيديّ المتقشفتين حد الشغف، وأي شغف يصف "القدس" ؟
كان الجالسون قد سبقوني في رسم حبيباتهم في الحداثة والتطور والتكنولوجيا والبنية التحتية، لكنهم جهلوا أن محبوبتي تعرضت للتدمير مرتين، وحوصرت 23 مرة، وهوجمت وتم غزوها 52 مرة، ربما لا يعرفون أن محبوبتي البهية .. عاشقيها حول الأرض تحت أعتابها يرمون كل الحداثة والتطور سبيل ولو دقيقة لتتمتع نواظرهم بها. تعجبني أناقتها وبساطتها معاً، ومن أنا في حضرتها ؟ ومن أكون أمام تواضعها ؟
لن أحدثكم عن شوارعها، ولا عن أبنيتها، ولا عن كنائسها وحرمها الشريف، ولا عن سُبُلها وقببها ومآذنها، تذهلك قدسية أزقتها، تذهلك قدسية حواريها وأروقتها، تذهلك قدسية أحجارها المتراصة بعضها فوق بعض، ستذهلك أكثر وأكثر .. في تاريخها الذي لا يُعرف بدءه، وإنما يُعرف أن القداسة الإلهية قد جعلتها محطّ التنزيه والمباركة.
- ماذا يعجبك أيضاً؟
- لا أعلم حقاً إن قلت شيئاً حتى اللحظة، أين أبدأ عنها وماذا أقول وكيف أقول ؟ أتُرى كان يجب أن أذكر أشجارها العالية ؟ وشبابيك بناياتها ؟ ومصاطب أطفالها ؟ وعيون الماء في الأقصى ؟ وصخرتها المشرفة ؟ وطريق آلام المسيح ؟
أتُرى أذكر صلاح الدين أم سيف الدين أم عماد الدين ونجم الدين ؟ أم عُمَر وأبي عبيدة ؟ أم عُبادة وشدَّاد وشُرحَبيل ؟
تخوض فيَّ الذاكرة خوضها، وأنا أفتش عن زوارها، وأسترجع شريط الزمن نحو الغزاة تارة، والفاتحين تارة، نحو النصر يوماً والهزيمة يوماً آخر، أفتش عن المارين فوق أديمها الطاهر، عن الحضارات والجيوش التي جثمت فوقها على مدى التاريخ.
يعجبني: ما يعجبني ولا يعجبني فيها، يعجبني تفتيش الحواجز وتدقيق الهوية الشخصية، فأنّى لا أكون شبيهها ؟ أنا هي .. وهي أنا، يعجبني جدارها العازل بيني وبينها، حتى ما تراءت لي بعد غياب، بكيتها كما يبكي الصغار حين يؤلمهم الجوع، ضممتُها إليّ وقبّلتُها حجراً حجراً وزاوية زاوية. يعجبني رجال الجيش فوق باب العمود، ذلك أنهم لا يشبهون هذه الأرض، ولا يماثلون لون أديمها الذي يعرفني.
يعجبني أهلها، نعم .. إنهم يملؤون عليّ غضبي، ناسها يتسمون بالشكيمة كما أهل شكيم، وبالعزة كأهل غزة، تعجبني أصواتهم أمام جنود أغلقوا شوارعها، وتعجبني تقاسيمهم .. عيونهم الواسعة الممتلئة بالنار، تعجبني أكفهم .. حين يربطون عليها من أحجار جبل المكبر، وتعجبني مشيتهم.. نعم تعجبني الطريقة التي يقارعون بها أشباه البشر وأشباه الرجال وأشباه القادة، لهم طريقتهم يا صديقي.. لا يسعك معها إلا أن تبتسم ذلك أنك تخشى على نفسك إن مشيتها إلا هم، هم وحدهم من إذا تكلموا كنت أمامهم لا شيء.. فما بالك بطريقتهم المنفردة والمتفردة في لجم المتصهينين ومشغّليهم.
يعجبني فيها أنها فوق السياسة، وفوق القرارات، وفوق القمم، يعجبني فيها استهزاءها بعملية التسوية، ورميها لكل مبادرات الحلول المؤقتة إلى مزبلة التاريخ، يعجبني رفضها لهيئة الأمم، ورفضها لتقسيمها الشرقي والغربي، يعجبني هدوؤها الذي يَسبق إعصارها عند الغضب.
يعجبني في "القدس" أجراسها.. وهي تنادي المؤمنين، وتنادي أهلها إلى القيامة، يعجبني فيها أذانها، وهو يصدح بحي على الفلاح .. وقد لبوا في تواضع، كل إلى محرابه. يعجبني فيها ابتسامتها المذهّبة كل صباح، يعجبني ثغرها المنعكس ضوءاً أبعد ما يمكنه أن يصل، يعجبني زيتها .. نعم زيتها المسرج في قناديل "القدس"، وزيتونها المتشبث بالأرض حتى قبل أن يُعرف التقويم.
يعجبني فيها صوت الرصاص، عندما زغرد لأول مرة منذ النكسة، آآآه كم أعجبني صوته... لن تتخيلوا كم أعدت تكرار المشهد عبر الانترنت وأنا أُنصتُ بوجل!! وتمنيتُ لو كنتُ رصاصة إضافية في جيب محمد أو محمود جبارين.
كم أعجبتني محبوبتي جداً، وأنا أدرك يقيناً أن هذا الإعجاب هو حب من النظرة الأولى.. حب لا ريب فيه.
فمحبوبتي هي "أور سالم" وهي "يبوس" وهي "إيليا" وهي "مدينة داوود" وهي "بيت المقدس" وهي "القدس"، سنظل نناديها بالحبيبة والرفيقة والعشيقة الطاهرة المقدسة .. سيظل اسمها القدس مادامت فينا روح تتنفس وقلب يَدُق.
التدوينة على هافينغتون بوست عربي : من هــنــا
التدوينة على موقع دنيا الوطن / الرأي : من هــنــا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق