2020/04/29

إنهم يتصهينون علنًا هذه المرة!


أحمد يونس - فلسطين

لا تتسع الكلمات ولا العبارات لوصف ما تتساوق في تسويقه "الدراما الخليجية" في رمضان هذا العام الممولة سعودياً وإماراتياً، عن ما يسمونه بيع الفلسطيني لأرضه وإنكاره لجميل دول الخليج بمساعدته منذ نكبته، وأن القضية برمتها قد أزعجت آذاننا واستنزفت مقدراتنا في صراع تكشف لنا فيما بعد أنهم ذيول الرومان وبقايا الغجر والأرمن واليونانيين...الخ. بل لا يستح الإعلام الخليجي المعروف التوجيه والتمويل والأهداف، من بث هذه السموم والأكاذيب والأساطير التي ليس لها مكان من التاريخ ولا الحقيقة، بل ويصدقها الناس هنا وهناك ممن في قلوبهم مرض وضعف ووهن.

لك أن تتخيل عزيزي القارئ كيف أصبح الفلسطينيون عبئاً بشكل فظ على أولئك القوم!؟ وكم أثقلوا عليهم في سباتهم ومرحهم ورغدهم، بل أن الفلسطينيون دوماً ينغصون عليهم تمتعهم بعلاقات الأخوة والروابط الممتدة من قدم الزمان مع اليهود (الودعاء، الجميلين، الطيبين).

يطل علينا رمضان 2020، وقد أفصح الفضاء الدرامي (الخليجي) عن سمه وعداءه اللامحدود للفلسطينيين (مجموعة البشر متعددي الأعراق والانسال وبقايا الحقب الاستعمارية) على حد ادعاء مسلسلي (خروج 7) و (أم هارون) اللذان يبثا عبر القناة السعودية المشهورة عربياً (MBC).

لا عجب أن تتساوق هذه المشاريع الدرامية مع الرواية الصهيونية التوراتية المزعومة، ولا دهشة إطلاقاً في عملية شيطنة الفلسطيني بكل السبل، ذلك أنه أول عربي اكتشف خبث وخيانة وفساد تلك الأنظمة قبل غيره، بل وأنه كان على الدوام السباق لفضح تخاذلهم عن نصرته ونصرة مقدساته وأرضه الطاهرة.

بشكل لا لبس فيه، يمكننا القول أن أي عمل درامي أو سياسي أو فني أو صحفي أو غيره يكون الهدف منه التشكيك بعدالة ونزاهة وطهارة المظلمة التاريخية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى بفرض الانتداب البريطاني (الاستعماري) على فلسطين، وإلى دعم وتسليح العصابات الصهيونية حتى النكبة الفلسطينية ومأساة التهجير القسري، واحتلال فلسطين التاريخية عام 1948م .. لهو عمل لا أخلاقي عديم الضمير والإنسانية والقيم ومرفوض من كل إنسان شريف وحر لا يقبل الظلم.

ربما كان الأجدر بكل أولئك المروجين لفكرة أن الفلسطينيين مجرد شعب لا يملك هوية وطنية وبلا تراث أو إرث حضاري، أو حتى ذهب بعضهم إلى الادعاء بعدم قدسية تلك البلاد، وعدم أحقية أهلها وسكانها الذين سكنوها بشكل مباشر لأكثر من 500 سنة (على الأقل)  بشكل متصل تاريخياً وجغرافياً واجتماعياً.. كان الأجدر بهم أن يضعوا رؤوسهم في الرمال.. حتى لا تدوسهم أقدام التاريخ وحقائق الزمن الماثلة بلا ريبة أمام أعين الدنيا.

تطل علينا مظلمة شعبي الصابر والمحتسب في ذكراها المُرَّة، وقد تكالب عليه القريب والبعيد، العدو والصديق، وتقطعت به السبل في وحشة هذا العالم عديم الإنسانية، المذلول بتحكم الرأسمالية والصهيونية فيه.
(72) عاماً وشعبي يعتصر الألم ويتجرع العلقم، منتظراً خلاصه ويوم حريته وعودته (الحتمية)، وحسبه اليقين بالله ووقوفه فوق أرضه بصدره العاري في شموخ وعزة.

لا يختلف على حق شعبي في مقاومة وطرد ومواجهة (نظام الأبرتهايد الصهيوني) إلا إنسان تجرد من إنسانيته وآدميته، وكفى لأم الشهيد الفخر أنها وهبت فلذات أكبادها لفلسطين (التاريخ والوطن والهوية والإرث).

وفي الجهة المقابلة، كل الحب للياباني الذي آمن بفكرة النضال لأجل وهب "الحرية" لشعب مظلوم تُسرق هويته وتُصادر أرضه ويقتل ويجرح كل يوم بلا هوادة منذ 72 عاماً، وشكراً للعراقي الذي كانت تحبه السماء أن دُفن في "جنين"، وشكراً للمصري الذي وقف بشموخ وإباء وسط الصحراء لأنه آمن بفكرة نبيلة وعدالة قضية، وشكراً وشكراً وشكراً... لكل الأحرار من كل مكان الذين كانوا الأوفياء عندما تخاذل المتخاذلون و فرَّ الضعفاء، كانوا أصحاب المبادئ في وجه كل مشاريع ومبادرات التصفية والتسوية والاستسلام.

وأقول لا تخيفنا كل تلك المحاولات المشؤومة، فالشعوب الحرة لا تزال تتقد بنار الحب والإيمان بفلسطين والقدس، تلهج ألسنتها بالدعاء وتبكي أفئدتها بألم على مسرى الرسول الأكرم ومهد سيدنا المسيح (عليهما السلام)، ولا يسعني إلا أن أشد على أيدي الأحرار في كل مكان، لا تقلقوا على فلسطين فأهلها أقوياء أقوياء، (لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم وهم في رباط إلى يوم الدين).

2018/06/14

لا ترحل سريعاً يا عيدُ عن "غزة"



كتابة : أحمد يونس

بأيِّ حالٍ عدت يا عيدُ، هل عودتك تحمل الفرح لقلوب أرهقها الفَقد، أخبرني أيها العيد ماذا تحمل لنا من أخبار؟ هل سيفرح الأطفال بكعك العيد ولبس العيد وعيديٍة ممن يحبون؟ هل ستتباهى أمهاتنا بالمعمول الذي عهدن على إعداده؟ أخبرني ما بالك صامتاً !

أرجوك أيها العيد حينما تطرق باب غزة لا تغادر باكرًا، امسح دموع اليتامى، احضن ما تبقى من شتاتِهم ولا تذكّرهم بأنك ستُغادر، رافق الشيوخ المحملين بالحكايات في جولة بين بقايا وطنهم، سيحدِّثونك عن أمنياتهم في الصلاة بالقدس وسجدة بباحات الأقصى، ستترجم عيونهم سنوات الحصار والفقر والحرب، اصغِ إليهم جيداً فقلوبهم طاهرة وحكاياتهم صادقة وإن استطعت دوِّنها في مجلدات الشرف حتى يقرأ العرب عن الرجولة، ثم احمل باقة من الورود إلى سيدات يرتدين أثوابهن التقليدية ستجدهن يتشبثن بك رغم ما يعتصرهن من ألم، سيحكين لك الكثير عن الصبر، رافقهن إلى المقبرة ففلذات أكبادهن تحت الثرى تعانق أرواحهم نقاء السماء، سيروين لك حلم الشهداء البريء في حياة شرف وكرامة، نعم أيها العيد.. النساء في غزة جعلن من الفقد سلاحًا يسقي عطشهن إلى جنة اسمها "فلسطين".

لا تُغادر باكراً.. عليك بواجب العزاء، فغزة الجريحة فقدت في رمضان 127 شهيداً، تحدثَ عنهم كل العالم بسلميتهم وبسالتهم وقوة حقهم، أخبرهم يا عيد حلم ياسر مرتجى بالتحليق، وحلم فادي وإبراهيم بأطرافٍ صناعية، وحلم عُمر سمُّور (أول شهيد في مسيرات العودة الكبرى) بزراعة وحصاد أرضه بـ حرية، أخبرهم عن عزَّام عويضة ذلك الطفل الصغير الذي عبَّر بطائرته الورقية البسيطة عن حبه وشغفه، أخبر عن أحمد الصحفي المجتهد وعن رزان التي عرفها العالم بأسره برداءها الأبيض وبطاقتها التعريفية الملطخة بدماء من أسعفتهم، وأخبرهم عن شجاعة الطفل هيثم الجمل وهو يحمل الإطارات المطاطية على شرق غزة لإخوته الشهداء الأحياء،  أخبرهم يا عيدُ أن جل ما تمناه هؤلاء وغيرهم كان صلاة في القدس أو إفطارًا على أبوابها.


أي عيد بعد هواك؟! ** كان العيد بيوم لقاك
حتى لو تنساه فإني ** لم يُخلق قلبي لينساك!
أيُّ جُرح صاب فؤادي؟! ** ولمن بعد الهَجر أنادي؟
فأنت حدودي .. وأنت بلادي ** والآن سيهجرني ضِياك!

ما إن يحل المساء حتى يخلد الجميع إلى ما يشغله، وما بين هذا وذاك قلوب طيبة لا ملجأ لها إلا الدعاء، هؤلاء من يقدمون لنا بعض العزاء ليس في رجال ارتقوا إلى السماء أحياء عند ربهم يرزقون، بل يُعزوننا في عُزلتنا حينما تخلى عنا العرب من أجل مصلحة صفقاتهم الاقتصادية وملفات تطبيعهم السياسية على حساب حقوقنا وأرضنا وقدسنا.

اطرق أبواب كل المنازل يا عيد، سترى ماذا فعل الحصار في أناس تعمل وتشقى دون أن تنال، ربما في هذا العيد الأسواق خاوية على عروشها فلا طعم ولا رائحة، لن تجد الأطفال يمرحون بثياب جديدة، لن تغرق جيوبهم بالحلوى ولا بالعيدية، لن ترى البالونات الملونة متطايرة في السماء.

سيُخفي الناس أحزانهم ويتوجهون إلى المساجد مهللين مكبرين، سترى أيها العيد كم يحبُّك أهل غزة، سيتبادلون التهاني والذكريات، سيصلي الفتى دون صديقه سيبكيه معاتبًا إياه على الرحيل وحيدًا، كيف له أن يستشهد دونه، حينها ستعرف بأننا لا نستجدي أمور الدنيا، فقد كبرنا على حبِّ الشهادة، رضِعناها من أول صرخة لنا في هذا الوجود، ولن نفطم منها حتى تعلو صرخات الله أكبر فلان ابن فلان شهيد.. 

127 شهيدًا ليس بالشيء الجديد، فتراب غزة غني بدماء الشباب، الشيوخ، الأطفال، والنساء.. هذه الأرض ولودة بالرجال والطاهرات، أرضنا يا عيد تُسقى بدماء الشهداء، تُنبت الشهداء، تُربي الشهداء هي كما قال عنها محمود درويش: (إن سألوك عن غزة قل لهم: بها شهيد، يُسعفه شهيد، ويصوِّره شهيد، ويودعه شهيد، ويصلي عليه شهيد). لا ترحل أيها العيد باكرًا .. سلِّم على صغيرهم وكبيرهم واطبع قبلة على جبين صبرهم.

لك الله يا غزة.. سلامًا لشبابك الوفي، وكل الرحمة لشهدائك الأبرار، كل عيد وأنت نابضٌة بالحياة رغم رائحة الموت المنتشرة في زواياكِ، كل عيد والله أكبر ترتفع في مآذنك لا يحجب صداها صوت الحرب والرصاص، كل عيد وأجراس كنائسك ترفرف شامخة في سماء القيامة تخترق حُجُب الاحتلال.

عدتَ يا عيدُ وغزة لا تزال تنزف، يكيد لها الظالمون، ويخططون لسقوطها يومًا بعد يوم لكن الله شاء أن يرفعها، ستظل واقفة تروي قصص الخيانة وحكايا العار عندما كان الصامتون على حالها يشاهدون ما يجري ولا تسري فيهم إنسانية، ماتت ضمائرهم بعد أن غمرتها الأنانية وحب السلطة والمال، لا بأس .. ستبكي غزة لوحدها، وستُلبس أبناءها الأبيض موشَّحين بأعلام العودة وتزفّهم إلى الجنة. غزة.. كل عام وأنتِ أقوى يا حبيبتي. 

التدوينة بمواقع منصات التدوين العربية:
العربي الجديد

2018/05/27

اقتباسات.... العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب


ويقول العلاّمة ابن خلدون -عربي النسب والنشأة-، في مقدمته، تحت (فصل في أن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب):
(والسّبب في ذلك أنّهم أمّة وحشيّة؛ باستحكام عوائد التّوحّش وأسبابه فيهم، فصار
لهم خُلقاً وجِبلّة، وكان عندهم ملذوذاً لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم، وعدم الانقياد للسّياسة، وهذه الطّبيعة منافية للعمران، ومناقضة له، فغاية الأحوال العاديّة كلها عندهم الرّحلة والتّغلب - بمعنى التنقل - وذلك مناقض للسّكون الّذي به العمران، ومناف له، فالحجر مثلاً، إنما حاجتهم إليه لنصبه أثافيّ القدر، فينقلونه من المباني، ويخرّبونها عليه، ويعدّونه لذلك، والخشب أيضاً، إ اّمن حاجتهم إليه ليعمّدوا -عمد السقف: دعائمه وركائزه- به خيامهم، ويتّخذوا الأوتاد منه لبيوتهم فيخرّبون السّقف عليه، لذلك فصارت طبيعة وجودهم منافية للبناء الّذي هو أصل العمران، هذا في حالهم على العموم*.

ويقول العلامة مؤسس علم الاجتماع تحت فصل آخر، وهو (فصل في أن العرب أبعد
الأمم عن سياسة الملك)، وذلك بعد أن علل لم العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك، وأن الدين هو الذي نظم حياة العرب، وجعل فيها روحاً وقانوناً، قال: كان رستم إذا رأى المسلمين يجتمعون للصّلاة، يقول: أكل عمر كبدي، يعلّم الكلاب الآداب، ثمّ إنّهم بعد ذلك انقطعت منهم عن الدّولة أجيال نبذوا الدّين، فنسوا السّياسة، ورجعوا إلى قفرهم، وجهلوا شأن عصبيّتهم مع أهل الدّولة، ببعدهم عن الانقياد، وإعطاء النّصفة، فتوحّشوا كما كانوا، ولم يبق لهم من اسم الملك إلا أنّهم من جنس الخلفاء، ومن جيلهم، ولمّا ذهب أمر الخلافة، انقطع الأمر جملة من أيديهم، وغلب عليهم العجم دونهم، وأقاموا في بادية قفارهم، لا يعرفون الملك، ولا سياسته، بل قد يجهل كثير منهم، أنّهم قد كان لهم ملك في القديم، وما كان في القديم لأحد من الأمم في الخليقة، ما كان لأجيالهم من الملك، ودول عاد، وثمود، والعمالقة، وحمير والتّبابعة شاهدة بذلك، ثمّ دولة مضر في الإسلام بني أميّة وبني العبّاس، لكن بعد عهدهم بالسّياسة لمّا نسوا الدّين، فرجعوا إلى أصلهم من البداوة، وقد يحصل لهم في بعض الأحيان، غلب على الدّول المستضعفة، كما في المغرب لهذا العهد، فلا تكون غايته إلا تخريب ما يستولون عليه من العمران، كما قدّمناه، قال تعالى: {وَالله يؤْتِي مُلْكَهُ من يَشاءُ}. (البقرة: 247)

(*) مقدمة ابن خلدون، ص: 149


+ المصدر: بتصرف من مقالة د. حمزة ذيب مصطفى "هل يختلف عرب اليوم عن عرب الأمس؟" - مجلة الإسراء عدد140

لتحميل كتاب مقدمة ابن خلدون : اضغط هـــنـــا

2018/04/30

لماذا غربتنا موحشة.. أم قل لماذا تقتلنا؟



كتابة: أحمد يونس 
تلك الأجساد التي حملتنا وتحملّت ثـقل الشوق فينا، قد أُرهقت في منفاها الشبيه بسجن أُلقيَت فيه ظُلماً، شهقتها تُسمع ها هناك، في منفى آخر لجسد آخر متلهف للقاء يُخفف وجعاً بات ملموساً، يتحايل على صاحبه حتى يرميه في غربة هو في غنىً عنها، كأنه ما قال فيه ابن عبد ربه الأندلسي:
الْجِسْمُ في بَلَدٍ والرُّوْحُ في بَلَدِ *** يا وَحْشةَ الرُّوْحِ، بَلْ يا غُرْبَةَ الْجَسَدِ

هذه الحياة لا تأخذ منا حتى تعطينا، هي تمهيد لكل شيء فقط، قد تبدأ بألم فيكون درساً واقعياً جداً، وقد تبدأ بفرحة تتلبّسنا كغيمة تحمل غيثاً يسعف قلوباً قاحلة تأبى أن تعيش، هي اختلافات في البدايات، لكن القادم لا يشبه شيئاً، لابد أن يكون كذلك حتى نستطيع أن نتنفس من جديد، حتى نُجرِّب الانكسار، فمن كانت حياته خالية من الانتكاسات لن يتعلم شيئاً، لن ينهض للبحث عمّا ينقصْه، سيبقى ثابتاً مكانه يشتكي تقلبات الزمن، هذا الأخير الذي يمضي تاركاً إياه كجسد فارغ تنهشه ذئاب الذكرى.

ستبقى أجسادنا عرجاء ما دامت أرواحنا منكسرة، خالية من معاني الحياة "كالحب"، هذه الكلمة التي تحمل كل معاني الكون، حاء وباء.. نعم اختصارات ننصهر فيها فنحيا، لأننا وببساطة نهرع لا نبحث عما يشبهنا فما عشناه يكفينا دهراً آخر، بل نبحث عما يُكمِّلنا، عن وطنٍ يؤوي أرواحنا من تلك البعثرات المقيتة، فهي في حنين دائم لوطن آخر غير أجسادنا.
تلك التي نخالها غربة قد تجمعنا بحقيقـتـنا، تكسونا من برد الشوق، فنجد الروح التي تكشف الغطاء عن سعادتنا، وتستر عُري أجسادنا، تجبر كسر الأيام التي حبلت بكل معاني الحياة، إلا نحن أجهضتنا، ورمت بنا بليل في شارع خلفي مليء بالمشرِّدين، فبات أكبر طموح لنا الهرب ممن حجر علينا حريتنا، لم نولد بلا غاية.. وذاك الدفء الذي عشناه في رحم الحياة الأولى، سيسكننا في حياة ثانية تأخذ بيدينا نحو قلب يدق بنبضاتنا، لجسد نتكئ عليه في زحام تقلباتنا، دافئاً يضمّنا، لن نشتكي حينها من غُربة أوطان سنرجع إليها يوماً بحقائبَ من الذكريات، نرويها لأبناء وأحفاد من أصلابنا، نحن نركض نحو المنفى ليس إلا، وما إن نجد وطن الروح، تركَتنا أحلامنا الموحشة.

حتماً ستتقلص المسافات وتسوقنا إلى أصدقاءنا وصور طفولتنا، أولئك الشبيهين بقطع السكر، من لا تحلو الحياة إلا بذوبانهم فينا، سنجد بعضنا في لحظة شرود لافت، ولا ندري كيف سنتعرف عليهم، سيجتاحوننا بغتة، ولن يكون منا سوى فتح أذرعنا لتمتد على أبسطها، فأرواحنا متلهفة لذاك العناق، لتُدفن به أوجاعَ أجسادٍ أرهقها الانتظار حتى تعيش حياة كانت من قبل قزلاء.

حينها سنغادر الغربة بأوطانٍ تليق بأوطاننا، سنرجع إلى جذورنا مُزهرين، وسنسقي تراب أرضها بحب، ستتشابك أيدينا ونتمشّى في الحي الذي تركناه ذات رحيل بارداً يشكو حنينه لجدران وفيَّة، لا يزال عِطر طفولتنا عالقاً فيها، نعم.. لابد لنا من العودة، فذاك الحضن يأوي كل الانكسارات، ولن يبقى لنا من هذا المنفى سوى حكايات نرويها لجيلٍ آخر جوعان إلى أوطان بمثابة امتداد لأوطاننا، ولن نعرفها مادامت أجسادنا عارية من أرواح ستسكننا يوماً ونسكنها.

هكذا نحن.. دائماً ما نرسم خطوطاً ونضع قوانين قد تكون مُجحفة بحقنا في الحياة، لكن ما إن نتوغّل في عمق الأخذ والعطاء حتى ندرك بأن تقلّباتنا لم تكن إلا لحاجة في نفس كل إنسان، نكتشف صدفة بأن انعزالنا قد أرهق أجسادنا، وأننا مَن تمرَّدنا على طبيعتنا المليئة بكل الصور القاتمة وحتى الملونة.
والحقيقة أنه لا توجد غربة غير تلك التي نعيشها بعيداً عن أرواحٍ تُكمِّلنا، قد نكون دونها كأوطان حُرّة لكنها عابسة تبحث عن مُنتمين لها، يرتمون في أحضانها، تُعطيهم تراباً وبذوراً، ويبقى عليهم تقديم واجب الرعاية الكافية حتى تُزهر ذات ربيع، وكل ما دون ذلك منفى يأخذ من راحتنا الكثير، ينقش فينا تجاعيد لا تُـنصِفُ أعمارنا، تترهل ملامحنا الطفولية، نُطلّق مرح الحياة وتبقى أجسادنا وحيدة عارية رغم ثـقل ما نلبس من قماش.

هكذا سيحدث ما دمنا نسير نحو الصوت الذي يطلبنا، نرى الإشارات، نتْبعها لأنّنا بحاجة إلى أنفسنا حتى نعيش بسلام، يكفينا تجاهلاً لتلك النداءات، فنحن تائهين جداً، ولابدّ للجسد والروح أن يتعانقا يوماً، حينها سنتعرّف على الصوت القادم من وطن لم نعشه، لم نحتويه، لم يربت على كتفنا بعد، وها نحن في شوقٍ إليه.

روايات ذات صلة: 
على نحو غربة - عائشة محمد

رابط التدوينة من خلال منصات التدوين العربية:
مدونات الجزيرة
العربي الجديد
دنيا الوطن
حمرين نيوز